الشوكاني

292

نيل الأوطار

إن وقع قبل التفرق لم يطابق الامر ، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلا . وقوله تعالى : * ( تجارة عن تراض ) * ( سورة النساء ، الآية : 29 ) فإنها تدل على أنه بمجرد الرضا يتم البيع . وقوله تعالى : * ( أوفوا بالعقود ) * ( سورة المائدة ، الآية : 1 ) لأن الراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : المسلمون على شروطهم والخيار بعد العقد يفسد الشرط . ومنه حديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لاقتضائه الحاجة إلى اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد ، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافيا في رفع العقد ، لا يخفى أن هذه الأدلة على فرض شمولها لمحل النزاع أعم مطلقا ، فيبنى العام على الخاص ، والمصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع غير جائز كما تقرر في موضعه ومن أهل القول الثاني من أجاب عن أحاديث خيار المجلس بأنها منسوخة بهذه الأدلة . قال في الفتح : ولا حجة في شئ من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال ، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح ، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف انتهى . وأجاب بعضهم بأن إثبات خيار المجلس مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده وهو قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النص . وأجاب بعضهم : بأن التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم ، ويجاب عنه بأنه خلاف الظاهر ، فلا يصار إليه إلا لدليل ، وهكذا يجاب عن قول من قال : إنه محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف ، وقيل : إنه يحمل التفرق المذكور في الباب على التفرق في الأقوال ، كما في عقد النكاح والإجارة . قال في الفتح : وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق ، لأن البيع ينقل منه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر . وقيل : المراد بالمتبايعين المتساومان ، قال في الفتح : ورد بأنه مجاز ، فالحمل على الحقيقة أوما يقرب منها أولى . وقد احتج الطحاوي على ذلك بآيات وأحاديث استعمل فيها المجاز ، وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع استعماله في كل موضع . قال البيضاوي : ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين : لحمله التفرق على الأقوال ، وحمله للمتبايعين على المتساومين ، وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه لأنه يصير تقديره : أن المتساومين إن شاءا عقد البيع وإن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل حاصل لأن كل أحد يعرف ذلك . ولأهل القول الآخر أجوبة غير هذه ، فمنها ما سيأتي في آخر الباب ، ومنها